
بعد ما قفلت رشا المكالمة، لأول مرة من شهور حسّت إن الدنيا مش كلها ضدها. لكن للأسف، الأيام اللي سبقت زيارة أولاد خالتها كانت الأصعب. في اليوم التالي مباشرة، نادت الحاجة فاطمة على كل الستات في البيت وقالت: “الأسبوع الجاي عندنا عزومة كبيرة، وعايزين البيت يلمع.” ثم بصّت لرشا وقالت: “وأنتِ يا بنتي بما إنك فاضية وما وراكيش حاجة، هتنضفي السلم والسطح والمندرة.” ردت رشا بهدوء: “أنا هساعد في شقتي وفي نصيبي من البيت يا ماما، لكن السطح والسلم مسئولية الكل.”
احمرّ وجه الحاجة فاطمة من الغضب. كانت هذه أول مرة ترد رشا دون خوف. أما سلوى فاقتربت من حماتها وهمست: “واضح إن بنت الناس دي بدأت تنسى نفسها.” ومن يومها بدأت مؤامرة جديدة. في إحدى الليالي، اختفى طقم ذهب كانت تملكه سلوى. قلبت البيت رأسًا على عقب وهي تصرخ: “الذهب اتسرق! أكيد حد أخده!” وبدأت النظرات تتجه نحو رشا. وقفت الحاجة فاطمة أمام الجميع وقالت:
“إحنا عمرنا ما ضاع مننا حاجة قبل ما تيجي.” شعرت رشا أن الأرض تهتز تحت قدميها. حتى كريم وقف مرتبكًا. لكن المفاجأة جاءت من أصغر إخوة زوجها. قال: “أنا شفت سلوى بنفسها وهي بتحط الطقم في درج أوضتها امبارح.” جروا جميعًا إلى الغرفة. وبعد دقائق وجدوا الطقم في نفس المكان. ارتبكت سلوى بشدة. وقالت: “يمكن نسيته.” لكن الشك بدأ يتسلل إلى الجميع لأول مرة.
— مر أسبوع. وجاء اليوم المنتظر. منذ الصباح الباكر كانت الحاجة فاطمة واقفة في الشرفة. فجأة ظهر موكب من السيارات الفاخرة أمام البيت. سيارات سوداء لامعة توقفت الواحدة تلو الأخرى. خرج منها رجال يرتدون بدلات أنيقة. نزل طارق أولًا. ثم نزل أخواه. ثم زوجاتهم وأبناؤهم. تجمع أهل المنطقة في الشارع ينظرون بدهشة. همست إحدى الجارات: “مين الناس دي؟” فردت أخرى: “واضح إنهم شخصيات مهمة جدًا.”
كانت رشا تنزل السلم لاستقبالهم. فتح طارق ذراعيه وقال: “بنت خالي الغالية.” واحتضنها أمام الجميع. ثم التفت إلى الحاجة فاطمة قائلاً: “إحنا آسفين جدًا إننا اتأخرنا في واجبنا.” لم تعرف الحاجة فاطمة ماذا تقول. كانت تتوقع أقارب عاديين. لكن ما رأته أمامها شيء مختلف تمامًا. دخل الجميع البيت. وفي دقائق امتلأت الصالة بهدايا ضخمة وصناديق فاخرة. ثم أخرج طارق ظرفًا كبيرًا. وقال:
“دي هدية بسيطة لبنت خالي.” فتحت رشا الظرف. وكان بداخله عقد ملكية شقة فاخرة باسمها. شهقت كل النساء. أما سلوى فكادت تسقط من الصدمة. وقالت: “شقة؟!” ابتسم طارق وقال: “طبعًا… وبنعمل إجراءات محل تجاري كمان يكون استثمار ليها.” ساد الصمت. أما الحاجة فاطمة فكانت تنظر إلى رشا وكأنها تراها لأول مرة. — لكن المفاجأة الأكبر لم تكن الهدايا. أثناء الجلسة، قال طارق:
“على فكرة يا حاجة فاطمة… إحنا عرفنا إن رشا رفضت تطلب مننا أي حاجة في تجهيز جوازها.” نظر الجميع إليه. وأكمل: “أخوها وأمها أصروا يعتمدوا على نفسهم رغم إننا كنا مستعدين نعمل كل حاجة.” ثم أشار إلى رشا قائلاً: “دي بنت متربية على الأصول والكرامة.” شعرت أم رشا بالدموع تمتلئ عينيها. أما الحاجة فاطمة فانخفض رأسها لأول مرة. — مرت الأيام. وبدأت صورة سلوى تتغير.
فقد اكتشف الجميع أنها كانت تبالغ في الكلام عن ثروة أهلها. بل إن جزءًا كبيرًا من الأثاث كان بالتقسيط. وأن كثيرًا من المظاهر التي تفاخر بها كانت مجرد استعراض. أما رشا فكانت كل يوم تكسب احترامًا جديدًا. ليس بسبب مال أولاد خالتها. بل بسبب أخلاقها وصبرها. — وفي إحدى الليالي، حدث ما لم يتوقعه أحد. دخلت الحاجة فاطمة شقة رشا. جلست بصمت دقائق طويلة.
ثم قالت: “أنا ظلمتك يا بنتي.” رفعت رشا رأسها مندهشة. فأكملت: “كنت فاكرة إن قيمة الإنسان بفلوسه وجهازه ونقطته.” وانهمرت دموع المرأة العجوز. “لكن الأيام علمتني إن الأصل أصل… حتى لو صاحبه فقير.” بكت رشا هي الأخرى. واقتربت منها وقبلت رأسها. وقالت: “أنا عمري ما زعلت منك يا ماما… كنت بس نفسي تشوفي أهلي بعين الرحمة.” — بعد سنوات، رزق الله رشا بطفلين جميلين.
وانتقل كريم معها إلى الشقة الجديدة. وأصبحت حياتهما أكثر استقرارًا. أما الحاجة فاطمة فكانت كلما جلست وسط النساء وقالت إحداهن: “فلانة فقيرة.” ترد فورًا: “إوعي تحكمي على الناس من فلوسها… أنا عملت الغلطة دي زمان وندمت عليها.” ثم تنظر إلى رشا بابتسامة فخر. لأن البنت التي وصفوها يومًا بأنها “تعر وما تشرفش”، أصبحت أكثر إنسانة يشهد لها الجميع بالأخلاق والاحترام. وهكذا انتصرت رشا في النهاية… ليس لأن أقاربها كانوا أغنياء، بل لأن كرامتها كانت أغلى من المال، ولأن الأيام دائمًا تكشف معادن البشر الحقيقية مهما حاولوا إخفاءها.