
حاول زوجي إسقاط حضانتي أمام المحكمة الشرعية في عمّان، واتهمني بأنني أم غير مستقرة نفسيًا ولا أصلح لتربية طفلَيّ لكن أثناء سؤال القاضي لابني هل تشعر بالأمان مع والدتك؟ نظر ابني نحو والده بتوتر، ثم قال بصوت خافت قبل أن أجيب هناك شيء يجب أن تعرفه المحكمة. شيء لا تعرفه أمي حتى الآن. كانت قاعة المحكمة الشرعية بعمّان باردة بصورة غريبة، رغم ازدحامها بالمحامين والمراجعين وهمسات العائلات المتوترة. الجدران البيضاء، المقاعد المرتبة، والوجوه الصامتة كل شيء بدا هادئًا أكثر مما ينبغي، رغم أن حياتي كانت تنهار أمام الجميع.
أمامي جلس فراس الخالدي الرجل الذي عشت معه عشر سنوات كاملة. الرجل الذي باعت زوجته ذهبها وميراثها حتى تساعده في بناء أول مشروع صغير له ثم انتهى به الأمر جالسًا أمامها في المحكمة، يحاول إقناع الجميع بأنها أم غير صالحة. كان يرتدي بدلة داكنة باهظة الثمن، وساعة فاخرة أهديتُها له في ذكرى زواجنا الخامسة، ويحمل ذلك التعبير الهادئ الذي كان يتقنه دائمًا حين يريد أن يبدو محترمًا وهو يحطم شخصًا آخر في الوقت نفسه. أما أنا
فكنت أجلس بعباءة بسيطة، وحجابي مرتبًا على عجل، بينما أضغط يدي فوق بعضهما تحت الطاولة حتى لا يلاحظ أحد كم كنت أرتجف. بدأ محاميه الحديث أولًا. تحدث عن استقرار فراس المادي، وعن شركته المعروفة، وعن منزله الكبير في عبدون، وعلاقاته الواسعة، وقدرته على توفير البيئة المثالية لطفليه التوأم آدم وحمزة، البالغين من العمر تسع سنوات. ثم بدأ الحديث عني. قال إنني، بعد أن تركت عملي لأتفرغ للأطفال، أصبحت منعزلة عن الناس. وقال إنني أعاني من اضطرابات نفسية وتقلبات حادة في المزاج.
وأنني كثيرة البكاء والانفعال. وأن الطفلين تأخرا عن المدرسة أكثر من مرة بسبب إهمالي. ثم أخرج تقارير طبية، ورسائل مطبوعة، وحتى تسجيلًا صوتيًا بدا فيه صوتي مرتبكًا ومشوّشًا. كان كل شيء مرتبًا بعناية وكأنهم أمضوا شهورًا كاملة في إعداد ملف يجعلني أبدو امرأة منهارة لا تصلح لتربية طفلين. لم يقل أحد إن فراس هو من أصرّ على تركي عملي بعد ولادة الطفلين. لم يقل أحد إنني كنت أعتني بكل شيء وحدي بينما يغيب لأيام بحجة العمل والسفر.
ولم يقل أحد أنني تحملت زواجه الثاني بصمت حتى لا يتشتت طفلانا. ولم يقل أحد إن التسجيل الصوتي كان من الليلة التي اكتشفت فيها أنه نقل جزءًا من أملاكه باسم زوجته الثانية، رنا المحامية التي تعمل في شركته. كنت قد وافقت على الطلاق منذ البداية. لم أطلب البيت. ولا السيارة. ولا المال. كنت أريد طفلَيّ فقط. لكن فراس لم يكن يريد الخروج من حياتي بهدوء كان يريد أن يخرج بعدما يحطم صورتي بالكامل. أراد أن تبدو كل كلمة أقولها وكأنها صادرة عن امرأة مختلة لا يصدقها أحد.
قال المحامي بثبات موكلتي السابقة ليست مؤهلة نفسيًا لتحمل مسؤولية طفلين بمفردها، ونطلب من المحكمة إعادة النظر في الحضانة حفاظًا على مصلحة الطفلين. شعرت بالغضب يصعد داخل صدري. وقفت دون وعي. هذا كذب إنه يلفّق كل شيء! رفع القاضي نظره نحوي وقال بهدوء حازم السيدة ليان، التزمي بالهدوء من فضلك. التفتُّ نحو فراس ورأيت الرضا يمر سريعًا في عينيه. كان ينتظر هذه اللحظة بالضبط. أن أفقد أعصابي أمام المحكمة، فأبدو المرأة المضطربة التي رسمها في ملفه.
أخذت نفسًا عميقًا وجلست مجددًا بصعوبة. ثم نظر القاضي نحو الطفلين الجالسين في الصف الأمامي. كان آدم وحمزة يرتديان قميصين متشابهين اشتراهما لهما والدهما خصيصًا لهذه الجلسة. حمزة كان يطأطئ رأسه ويضم يديه الصغيرتين بخوف. أما آدم فكان ينظر إلى الأرض بصمت غريب أخافني. قال القاضي بصوت هادئ يا آدم هل تهتم والدتك بك وبأخيك بشكل جيد؟ رفع آدم عينيه ببطء. ثم نظر سريعًا نحو والده. لاحظت توتره المفاجئ، والطريقة التي شبك بها أصابعه الصغيرة ببعضها.
فسأله القاضي بلطف أكبر هل حدث شيء في البيت جعلك خائفًا مؤخرًا؟ ساد الصمت لثوانٍ طويلة. ثم قال آدم بصوت متردد أبي طلب منا أن نقول إن أمي تخيفنا أحيانًا حتى نبقى معه. اختفت ملامح الثقة عن وجه فراس للحظة قصيرة. اعتدل القاضي في جلسته وقال بهدوء وهل هذا صحيح يا بني؟ هزّ آدم رأسه ببطء، ثم قال بصوت مرتجف أمي لا تخيفنا لكنها كانت تبكي كثيرًا بعد أن كان أبي يصرخ عليها. شعرت بأن أنفاسي توقفت.
بينما تجمد فراس في مكانه. وأكمل آدم بصعوبة وكان يقول لنا إننا إذا لم نقل ذلك هنا فلن يسمح لنا برؤية أمي مرة أخرى. بدأ حمزة بالبكاء بصوت خافت، وهو يمسك بطرف قميص أخيه. أما أنا فشعرت في تلك اللحظة أن شيئًا داخلي انكسر بالكامل. لأول مرة أدركت أن طفلَيّ لم يكونا مجرد شاهدين على ما حدث بيننا بل كانا يحملان الخوف نفسه الذي كنت أعيشه طوال الأشهر الماضية. لكن الصدمة الحقيقية لم تكن في كلام آدم
بل في الشيء الذي قاله بعدها مباشرة، وهو ينظر إلى القاضي بعينين مرتجفتين وهناك شيء آخر فعله أبي وأمي لا تعرف عنه شيئًا حتى الآن. وفي تلك اللحظة شحب وجه فراس بطريقة جعلت القاعة كلها تصمت. تبادل المحامون النظرات بسرعة، بينما اعتدل القاضي في جلسته ونظر إلى آدم باهتمام أكبر. حتى رنا، الجالسة خلف فراس بثيابها الأنيقة وملامحها الباردة، بدا التوتر واضحًا على وجهها لأول مرة منذ بداية الجلسة. قال القاضي بهدوء ما الذي تقصده يا آدم؟
ابتلع ابني ريقه بصعوبة. ثم قال بصوت خافت كنت أرى أبي يعطي أمينة أشياء لتضعها في عصير أمي. تجمدتُ بالكامل. ونظرت نحو فراس ببطء لكنني لم أجد على وجهه سوى ذلك الشحوب الذي بدأ يزداد ثانية. قال المحامي بسرعة سيدي القاضي، الطفل صغير وقد يكون مرتبكًا لكن القاضي قاطعه بحزم دعه يُكمل. عاد آدم ينظر لمحة نيوز القائمة search حاول زوجي إسقاط حضانتي أمام المحكمة الخميس 14/مايو/2026 – 10:40 ص لمحة نيوز الصفحة 3 إلى الأرض وهو يشبك أصابعه الصغيرة ببعضها.
ثم قال كنت أراه يعطيها الحبوب أحيانًا في المطبخ ويقول لها ألا تخبر أمي. شعرت ببرودة تسري في أطرافي. وفجأة بدأت أشياء كثيرة تعود إلى رأسي دفعة واحدة. الدوخة المستمرة. النعاس الذي كان يهاجمني في منتصف النهار. ارتجاف يدي أحيانًا دون سبب. ثقل رأسي. فقداني للتركيز. نوبات البكاء المفاجئة. والشعور المرعب بأنني أفقد السيطرة على نفسي يومًا بعد يوم. وضعت يدي على فمي وأنا أحدق أمامي بصدمة. خصوصًا أن حالتي ساءت بشكل واضح خلال السنة الأخيرة
بعد زواج فراس من رنا. أكمل آدم بصوت مرتجف وفي مرة سمعت رنا تقول لأبي إن أمي ستبدو مجنونة أكثر إذا استمرت على الدواء. شهقتُ دون وعي. بينما التفتت الأنظار كلها نحو رنا. لكنها تماسكت بسرعة وقالت بعصبية هذا هراء طفل في التاسعة لا يفهم ما يسمعه. إلا أن آدم رفع رأسه فجأة وقال أنا سمعتها بنفسي. ساد الصمت مجددًا داخل القاعة. حتى حمزة توقف عن البكاء وهو ينظر إلى أخيه بخوف. أما أنا فكنت أشعر بأن الأرض تهتز تحت قدمي.
لأشهر طويلة كنت أظن أنني أنهار بسبب الخيانة، والضغط، والانكسار لكن للمرة الأولى بدأ داخلي يهمس بسؤال مرعب ماذا لو أنني لم أكن أتدهور وحدي؟ ماذا لو أن أحدهم كان يدفعني نحو ذلك عمدًا؟ اعتدل القاضي في جلسته ونظر مباشرة نحو فراس. ولأول مرة منذ بداية القضية اختفى ذلك الهدوء الواثق من وجهه تمامًا. ثم قال آدم الجملة التي قلبت الجلسة بالكامل وسمعت أبي يقول إن أمي لن تحصل على الحضانة إذا اقتنع الجميع بأنها مريضة فعلًا.
وفي تلك اللحظة أدركت أن ما كنت أظنه طلاقًا قاسيًا فقط كان في الحقيقة بداية حرب كاملة لتدميري. ساد الصمت داخل قاعة المحكمة الشرعية في عمّان بصورة ثقيلة حتى إنني أصبحت أسمع صوت أنفاسي المرتجفة بوضوح. كان القاضي ينظر إلى آدم باهتمام شديد، بينما جلس فراس متيبسًا في مكانه، وكأن الكلمات التي خرجت من فم ابنه نزعت عنه ذلك القناع الهادئ الذي حافظ عليه طوال الجلسة. أما رنا فكانت تحاول التماسك بصعوبة. رأيت يدها تتحرك فوق حقيبتها بسرعة عصبية، بينما كانت تتجنب النظر نحوي تمامًا.
ولأول مرة منذ شهور طويلة شعرت بالخوف الحقيقي يتسلل إليهما. قال القاضي بهدوء هل أنت متأكد مما تقوله يا آدم؟ هزّ ابني رأسه ببطء. ثم قال بصوت خافت كنت أسمعهم يتحدثون كثيرًا عندما يظنون أننا نائمون. بلعت ريقي بصعوبة. وأكمل وفي مرة سمعت أبي يقول إن أمي إذا بدت متعبة ومتوترة دائمًا فالمحكمة ستصدق أنه لا يجب أن نبقى معها. ارتجفت يداي بعنف. لم أعد أعرف هل ما أسمعه حقيقي أم أنني ما زلت داخل كابوس طويل لم أستيقظ منه بعد.
تحدث محامي فراس بسرعة سيدي القاضي، لا يمكن الاعتماد على كلام طفل صغير في قضية حساسة كهذه. لكن القاضي لم ينظر إليه. بل ظل يراقب آدم للحظات طويلة قبل أن يقول وهل رأيت شيئًا آخر يا بني؟ ساد التردد على وجه آدم. ثم نظر نحوي. ولم أستطع احتمال ذلك الخوف الموجود داخل عينيه الصغيرتين. قال بصوت متقطع كنت أرى أمينة تضع الحبوب لأمي حتى عندما تقول إنها لا تريد أخذ الدواء. في تلك اللحظة شعرت بشيء بارد يمر داخل جسدي كله.
أمينة. الخادمة التي عاشت معنا ثلاث سنوات. الخادمة التي كانت تحضر لي الشاي كل ليلة تقريبًا. الخادمة التي كانت تدخل غرفتي أحيانًا عندما أكون مرهقة وتقول إن فراس طلب منها أن تتأكد من أنني تناولت علاجي. بدأت الصور تتدفق داخل رأسي بصورة مرعبة. أكواب العصير. طعم غريب لم أفهمه يومًا. دوخة مفاجئة. نعاس يهاجمني في أوقات غير طبيعية. أيام كاملة كنت أشعر فيها بأن رأسي ثقيل وكأن الضباب يملأه. ثم نوبات البكاء. العصبية. فقدان التركيز.
ارتجاف أصابعي أحيانًا. حتى إنني بدأت أخاف من نفسي. كنت أصدق فعلًا أنني أفقد عقلي بالتدريج. وضعت يدي فوق فمي وأنا أحدق أمامي بصدمة. بينما قال آدم بخوف وفي مرة سمعت رنا تقول إن أمي ستبدو مجنونة أكثر إذا استمرت على الدواء. صرخت رنا فجأة هذا كذب! لكن صوتها خرج مهتزًا بصورة فضحت خوفها. نظر القاضي نحوها ببرود وقال التزمي الصمت من فضلك. أما فراس فكان يضغط فكه بقوة حتى ظهرت عروقه بوضوح. لأول مرة منذ سنوات
رأيته عاجزًا عن السيطرة على الموقف. لكن الصدمة الحقيقية بالنسبة لي لم تكن في كلمات آدم وحدها. بل في تلك اللحظة التي بدأت فيها أراجع حياتي كلها معه. فجأة بدأ كل شيء يبدو مختلفًا. تذكرت نفسي قبل عشر سنوات. حين تزوجت فراس. لم يكن رجل الأعمال المعروف الذي يعرفه الناس الآن. كان مجرد شاب يملك حلمًا صغيرًا ومكتبًا متواضعًا بالكاد يستطيع دفع إيجاره. كنت أحبه بطريقة عمياء. أؤمن به أكثر مما يؤمن هو بنفسه. وعندما خسر مشروعه الأول بعد عامين من زواجنا
كنت أنا من وقف بجانبه. أنا من فتحت صندوق ذهبي. أنا من خلعت أساوري وقلاداتي التي ورثت بعضها عن أمي. وبعتها كلها حتى لا يغلق شركته. أتذكر تلك الليلة جيدًا. كان يجلس محطمًا في غرفة المعيشة، بينما أخبره شريكه أن المشروع انتهى. اقتربت منه يومها ووضعت صندوق الذهب أمامه. نظر إليّ بصدمة. وقال ليان هذا ذهبك. فابتسمت له وقلت وأنت مستقبلي. بكى يومها. أمسك يدي وقال إنه لن ينسى ما فعلته معه ما دام حيًا.
لكن يبدو أن بعض الرجال ينسون بسرعة عندما يصبح لديهم المال. بعد سنوات قليلة نجحت الشركة فعلًا. كبر اسم فراس. وأصبح يملك المال والعلاقات والنفوذ. وانتقلنا إلى منزل أكبر في عبدون. ثم بدأت المسافة تكبر بيننا بالتدريج. صار يعود متأخرًا. يسافر كثيرًا. يتحدث معي ببرود. ثم دخلت رنا إلى الشركة. محامية أنيقة وواثقة تعرف جيدًا كيف تتحدث أمام الناس. وفي البداية كنت أصدق أنها مجرد موظفة. لكنني بدأت ألاحظ نظراتها. الطريقة التي تتصرف بها داخل بيتي.
الطريقة التي كانت تتحدث بها مع فراس وكأنها صاحبة المكان. ثم اكتشفت الحقيقة. كان قد تزوجها سرًا. أتذكر لمحة نيوز القائمة search حاول زوجي إسقاط حضانتي أمام المحكمة الخميس 14/مايو/2026 – 10:40 ص لمحة نيوز تلك الليلة جيدًا أيضًا. واجهته. كنت أرتجف وأنا أمسك هاتفه. لكنه لم ينكر. بل نظر إليّ ببرود وقال هذا حقي. لم أصرخ. لم أحطم شيئًا. كنت فقط أشعر أن شيئًا داخلي مات بالكامل. ومع ذلك تحملت. من أجل آدم وحمزة.
ظننت أن أسوأ ما يمكن أن يحدث هو الطلاق. لم أتخيل أبدًا أن فراس كان يخطط لشيء أكبر بكثير. في المحكمة بدأ القاضي يدوّن الملاحظات بهدوء. ثم قال سيتم تأجيل الجلسة مؤقتًا لحين مراجعة ما ذُكر. لكن قبل أن تنتهي الجلسة حدث شيء لم أكن أتوقعه. دخلت أمينة إلى القاعة. كانت ترتدي عباءة سوداء بسيطة، ووجهها شاحب بصورة واضحة. التفت الجميع نحوها. حتى فراس وقف فجأة. وقال بعصبية ماذا تفعلين هنا؟ لكن أمينة تجاهلته. وظلت تنظر نحوي بعينين ممتلئتين بالخوف.
ثم قالت بصوت مرتجف سامحيني يا مدام ليان. شعرت بأن قلبي توقف. واقتربت منها الشرطية الموجودة داخل القاعة. بينما أكملت أمينة بصعوبة
