
بصيت على إيديها اللي كانت لافاهم حوالين حاجة ومتبتة فيها كأنها بتمسك في آخر أمل ليها في الدنيا… قربت أكتر وأنا قلبي بيدق بعنف. كانت صورة. صورة قديمة شوية، أطرافها متنية من كتر المسك. ولما أخدتها من إيديها بهدوء وبصيت فيها، حسيت الدنيا اسودت قدامي. الصورة كانت لشريف… جوزها السابق… بس مش لوحده. كان واقف جنب ست كبيرة في السن، وحاضنها بحنية غريبة، والست دي أنا عرفتها فوراً. أمي. أم ندى. جدتها اللي ماتت من أكتر من عشر سنين.
وقبل ما أسأل أو أفهم، ندى رفعت وشها ليا وهي منهارة وقالت: “أنا تعبت يا أمي… تعبت أوي.” قعدت جنبها وأنا مش فاهمة. قلت لها: “الصورة دي جت معاكي منين؟” بكت أكتر وقالت: “مش الصورة هي السبب… اللي ورا الصورة هو السبب.” وساعتها لأول مرة من يوم ما خرجت من بيتها فتحت قلبها. قالت إن بعد الجواز بحوالي ست شهور كانت بتنضف مكتبة شريف. وهي بترتب الورق لقت صندوق خشب صغير مقفول. ولما فتحته لقت جوه صور وخطابات قديمة.
كلها تخص جدتها. أمي. الست اللي ربتني. واللي ماتت قبل ما شريف يتقدم لها بسنين. في الأول افتكرت إن الموضوع صدفة. لكن لما قرت الخطابات اكتشفت الحقيقة. شريف كان ابن حب قديم. ابن علاقة سرية بين جدتها وبين راجل تاني قبل جوازها. واتربى بعيد عن العيلة كلها. وكان طول عمره بيدور على أصله الحقيقي. ولما عرف إن جدته هي نفسها أم أمي… بدأ يقرب من العيلة من غير ما حد يحس. ولما شاف ندى لأول مرة…
عرف الحقيقة كاملة. عرف إنها بنت بنت أخته. يعني مستحيل شرعاً وقانوناً تكون زوجته. لكن بدل ما يواجه الحقيقة… خاف. خاف يخسرها. وخاف الفضيحة. فسكت. وكمل الجواز. وأقنع نفسه إن يمكن يكون فاهم غلط. ندى قالت وهي بتشهق من البكا: “لما واجهته… وقع على الأرض من كتر الرعب.” قالت إنه فضل يعيط قدامها ساعات. واعترف بكل حاجة. واعترف إنه كان بيحاول يجيب تحاليل وأوراق تثبت الحقيقة أو تنفيها. لكن كل يوم كان بيأكدله أكتر. وقالت:
“يا أمي أنا كنت بمو.ت كل يوم وأنا عارفة إنه مش ذنبه… لكنه برضه خبى عليا.” سألتها وأنا مرعوبة: “طب ليه ما قولتيش؟” قالت: “عشان وعدته.” “وعدته إني أحافظ على ستر أمه اللي ماتت.” “ووعدته إني ما أفضحش حد.” “ووعدته إني أتحمل الكره كله لوحدي.” ساعتها حسيت إن قلبي اتقطع. بنتي كانت شايلة نار جوه صدرها لوحدها. وأنا بدل ما أكون سندها… كنت السكين اللي بيجرحها كل يوم. افتكرت كل كلمة قولتها. كل مرة عيرتها إنها مطلقة.
كل مرة شيلتها فوق طاقتها. كل مرة شفت دموعها وسكت. وقعت على رجليها أبكي. أيوه… أنا الأم وقعت على رجلين بنتها. وقلت: “سامحيني يا بنتي.” “سامحيني عشان خذلتك.” “سامحيني عشان ما سألتش عن وجعك.” ندى ح.ضنتني. وبرغم كل اللي عملته فيها… ح.ضنتني. وزي عادتها فضلت ساكتة. بعدها بأيام طلبت أشوف شريف. ولما جه… كان شكله أكبر بعشر سنين. وشه شاحب. وعينيه مليانة حزن. أول ما شافني قال: “أنا مستحقش أي غفران.” قلت له: “لا يا ابني… كلنا غلطنا.”
عرفت بعدها إنه من يوم الطلاق وهو بيصرف على يوسف من بعيد. وكل شهر يبعت فلوس زيادة من غير ما يقول. وكل عيد يسيب هدايا عند الباب ويمشي. ولا اتجوز بعدها. ولا فكر يرتبط. كأنه حكم على نفسه بعقوبة عمر. مرت سنين. يوسف كبر. وبقى شاب محترم. وفي يوم سأل أمه: “هو بابا كان وحش؟” ندى بصت له طويلاً. وبعدين قالت: “لا يا حبيبي… أبوك كان راجل محترم.” “بس أحياناً الحياة بتحط ناس كويسين في ظروف أصعب منهم.”
يومها بس فهمت. إن مش كل طلاق بيكون سببه خيانة. ومش كل سكوت معناه عناد. ومش كل حد بنحكم عليه من بره يبقى إحنا فاهمين حكايته. وأكتر درس اتعلمته في عمري كله… إن الإنسان قبل ما يحكم على حد… يسأله الأول: “إنت موجوع من إيه؟” لأن ساعات الحقيقة بتكون أبشع بكتير من اللي الخيال يقدر يتصوره.
