بنتى اترجتنى إني ماسافرش

لغيت سفري في اللحظة نفسها. ماقولتش لمراتي حاجة، وماواجهتش حماتي “أمينة”، ومابلغتش الشرطة فورًا. كنت محتاج أعرف الحقيقة الأول. يمكن بنت صغيرة فهمت حاجة غلط، ويمكن يكون في تفسير تاني… لكن الخوف اللي شفته في عيون مريم ماكانش ممكن أتجاهله. في الليلة دي فضلت صاحي تقريبًا للفجر. وتاني يوم، في تمام الساعة التاسعة الصبح، زي ما مريم قالت، شفت أمينة بتلبسها بسرعة وتقول لها بابتسامة: ـ يلا يا حبيبتي… هنروح المشوار الصغير بتاعنا. مريم بصت ناحيتي للحظة، ولما شافتني واقف ورا الستارة، فهمت إني متابع.

خرجوا من البيت. استنيت دقيقة كاملة، وبعدها نزلت وراهم. ركبوا تاكسي قديم، فركبت عربية أجرة تانية وطلبت من السواق يمشي وراهم من غير ما يلفت النظر. بعد حوالي نصف ساعة، دخلوا منطقة قديمة في أطراف المدينة. شوارع ضيقة. بيوت متهالكة. ولما وقفت العربية أخيرًا، شفت البيت. باب أزرق كبير. بالضبط زي ما مريم وصفته. قلبي بدأ يدق بعنف. نزلت بعيد شوية وفضلت أراقب. أمينة خبطت الباب ثلاث خبطات متتالية. فتح رجل خمسيني الباب بسرعة ودخلهم.

استنيت عشر دقائق. بعدها قربت من البيت. ومن الشباك الجانبي المكسور قدرت أبص للداخل. لكن اللي شفته ماكنش اللي كنت متوقعه. كان فيه حوالي عشرين طفل. بنين وبنات. وكل واحد فيهم لابس ملابس مختلفة. وفي وسط القاعة كاميرات تصوير وإضاءات كبيرة. وفيه ستات ورجالة بيحركوا الأطفال ويوجهوهم. في اللحظة دي، أسوأ الاحتمالات ضربت دماغي. طلعت الموبايل فورًا واتصلت بالنجدة. شرحت المكان بسرعة. وقلت لهم إن فيه أطفال بيتصوروا داخل مبنى مشبوه. الضابط طلب مني أبقى بعيد لحد وصول القوة.

بعد أقل من عشرين دقيقة وصلت سيارات الشرطة. ودخلوا البيت فجأة. الصراخ ملأ المكان. وأنا جريت وراهم. كنت بدور على مريم وسط الزحمة. لقيتها قاعدة في ركن القاعة وبتعيط. حضنتها بسرعة. لكن بعدها حصلت المفاجأة. أحد الضباط خرج من مكتب داخلي ومعاه ملفات وأجهزة كمبيوتر. وكان شكله مصدوم. قال: ـ إحنا لقينا حاجة أكبر بكتير مما توقعنا. اتضح إن المكان كان بيستخدم الأطفال في تصوير إعلانات ومقاطع دعائية تُنشر على الإنترنت بأسماء شركات وهمية. الأطفال كانوا بيشتغلوا ساعات طويلة.

بعض الأهالي كانوا بياخدوا مقابل مادي. وبعض الأطفال، زي مريم، كانوا بيتجابوا بدون علم أحد الوالدين الكامل بحقيقة اللي بيحصل. لكن الصدمة الأكبر كانت لما واجهوا أمينة. صرخت وقالت: ـ أنا كنت بعمل كده عشان الفلوس! سكت المكان كله. أنا بصيت لها مش مصدق. كملت وهي بتبكي: ـ بعد وفاة جوزي غرقت في الديون… والناس استغلتني… قالولي هانجيب الأطفال يصوروا شوية إعلانات بريئة ونقبض كويس. لكن التحقيقات أثبتت إنها كانت تعرف أكتر من كده بكتير.

وكانت بتاخد مبلغ شهري مقابل إحضار الأطفال. في الأيام التالية، تم إغلاق المكان بالكامل. واتقبض على المسؤولين عنه. أما أمينة، فتم التحقيق معها رسميًا. مراتي انهارت تمامًا لما عرفت الحقيقة. كانت بتثق في أمها ثقة عمياء. ومريم فضلت فترة طويلة محتاجة دعم نفسي عشان تتجاوز الخوف اللي عاشته. بعد شهور، كنت قاعد معاها في البلكونة وقت الغروب. سألتها: ـ تعرفي يا مريم إيه أكتر حاجة أنقذتك؟ ابتسمت ابتسامة صغيرة وقالت: ـ إني قلتلك السر؟ ربتّ على شعرها وقلت:

ـ بالضبط. في أسرار المفروض تتحكي. ولو أي طفل حس بالخوف من حاجة، لازم يعرف إن أبوه وأمه هما أول ناس يجرى لهم. حضنتني وقالت: ـ أنا كنت خايفة ما تصدقنيش. ابتسمت ودموعي في عيني. ـ طول ما قلبك بيقولك الحقيقة يا بنتي… هصدقك. ومن يومها اتعلمت درس عمره ما هيتنسي: أحيانًا كلمة صغيرة يقولها طفل، ممكن تنقذ حياة كاملة… وتكشف أسرارًا كانت مستخبية خلف باب أزرق.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
150