
بعد ما خلصت تقليب في الورق، رجّعت كل حاجة مكانها زي ما كانت بالظبط، وخدت بالموبايل صور لكل ورقة وكل عقد وكل مستند لقيته. إيدي كانت بتترعش، لكن عقلي لأول مرة من ساعة ما عرفت الحقيقة كان شغال بهدوء. خرجت من الأوضة وكأني ماعملتش حاجة، وكملت تنضيف البيت قدام حماتي، وبعدها روحت بيتي. لما دخلت، بنتي كانت قاعدة تذاكر وتحلم باليوم اللي تلبس فيه بدلة الشرطة. بصيت لها وحسيت إن كل دمعة نزلت مني لازم تتحول لقوة عشانها.
استنيت عاصم يرجع. دخل البيت كعادته، مبتسم وساكت، وسألني: “عاملة إيه؟” بصيت له وقلت: “أنا كويسة… وإنت عامل إيه مع مراتك التانية؟” وشه اصفر في ثانية. اتجمد مكانه وقال: “إنتِ بتقولي إيه؟” رميت قدامه القيد العائلي. فضل باصص للورقة وكأن روحه خرجت منه. قعد يحاول ينكر، لكن لما حطيت قدامه صور العقود وصور الحسابات البنكية وصور بيته التاني، عرف إن اللعبة انتهت. قال: “اسمعيني بس…” صرخت فيه لأول مرة من سنين: “أسمعك إيه؟! أسمع الراجل اللي سرق عمري؟ ولا اللي ضحك عليا وعلى بنته؟!”
في اللحظة دي بنتها خرجت من أوضتها. كانت سامعة كل حاجة. بصت لأبوها وقالت وهي بتبكي: “يعني أنا طول عمري كنت آخر اهتماماتك؟” الكلمة دي كانت أقوى من أي محكمة. عاصم حاول يقرب منها لكنها رجعت خطوة لورا. ومن يومها بدأت الأم رحلة طويلة مع المحامين. اكتشفت إن جزء كبير من اللي عمله كان هدفه إنه يهرب ممتلكاته عشان يحرم بنته من أي حق مستقبلي. ورغم إن المعارك القانونية أخدت شهور طويلة، إلا إنها قدرت تثبت حقوق كتير كانت مخفية، وقدرت تأمن مستقبل بنتها.
أما المفاجأة الأكبر فكانت يوم نتيجة كلية الشرطة. البنت نجحت في الاختبارات. يومها الأم وقفت قدام باب الكلية وهي بتعيط من الفرح. افتكرت كل ليلة سهر، وكل مرة كانت بتقوم بدور الأب والأم مع بعض. وبينما كانت بنتها داخلة من البوابة، قالت لها: “فاكرة يا ماما يوم ما اكتشفنا الحقيقة؟ كنت فاكرة إن حياتنا انتهت.” ابتسمت البنت وقالت: “لا يا أمي… حياتنا بدأت اليوم.” أما عاصم، فخسر حاجات كتير في وقت قصير. خسر صورته قدام الناس.
وخسر ثقة بنته. وخسر البيت الأول اللي كان مليان حب وصدق. واتعلم متأخر إن أصعب خسارة في الدنيا مش الفلوس ولا العقارات… أصعب خسارة هي لما بنتك تبصلك يوم وتعتبرك شخص غريب. وانتهت القصة والأم واقفة تشوف بنتها ببدلة الشرطة بعد سنوات، رافعة راسها، وعارفة إن الحق ممكن يتأخر… لكنه عمره ما بيضيع.
