كانت زوجة ابنى تعود كل ليله

كان صوت صفارات الشرطة يقترب من البناية، بينما كانت أم علي تجلس في الصالة ويداها ترتجفان من الخوف.   لم تكن تعرف إن كانت قد تصرفت بشكل صحيح أم لا.   كل ما كانت تعرفه أنها رأت آثارًا مخيفة على ظهر زهراء، وأن قلبها أخبرها بأن تلك الفتاة تتعرض لشيء خطير.   بعد دقائق قليلة، سُمع طرق قوي على الباب.   فتحت أم علي الباب بسرعة.   دخل شرطيان ومعهما شرطية.   سألها أحدهم:  

— أين المرأة التي تحدثتِ عنها؟   أشارت أم علي نحو الحمّام وهي تهمس:   — ما زالت هناك.   في تلك اللحظة فُتح الباب.   خرجت زهراء وهي تضع منشفة على شعرها، ثم تجمدت في مكانها عندما رأت رجال الشرطة داخل المنزل.   قالت بدهشة:   — خير إن شاء الله؟ ماذا حدث؟   تقدمت الشرطية نحوها بلطف.   — لا تقلقي يا أختي، وصلتنا بلاغات أنكِ تتعرضين للأذى.   اتسعت عينا زهراء من الصدمة.

  ثم التفتت نحو أم علي.   — أنتِ اتصلتِ بالشرطة؟   أومأت أم علي برأسها والدموع في عينيها.   — سامحيني يا ابنتي… لكني رأيت ظهرك.   ساد الصمت لثوانٍ طويلة.   ثم تنهدت زهراء بعمق.   ولأول مرة منذ أشهر، بدت وكأنها استسلمت لشيء كانت تخفيه طويلًا.   قالت الشرطية:   — إذا كان هناك شخص يؤذيك فلا تخافي. نحن هنا لمساعدتك.   لكن زهراء هزت رأسها.   — لا أحد يضربني.  

نظر الجميع إليها بعدم تصديق.   سأل الشرطي:   — إذن من أين جاءت تلك الآثار؟   جلست زهراء على الأريكة ببطء.   ثم قالت بصوت منخفض:   — القصة أطول مما تتخيلون.     —   في تلك اللحظة عاد علي من سفره بشكل مفاجئ.   كان قد أنهى عمله قبل الموعد بيوم كامل.   فتح الباب ودخل مبتسمًا، لكنه تفاجأ بوجود الشرطة.   — ماذا يحدث هنا؟   اقترب من زوجته بقلق.  

— زهراء… هل أنتِ بخير؟   نظرت إليه زهراء طويلًا.   ثم قالت:   — حان الوقت لتعرف كل شيء.   جلس الجميع.   حتى رجال الشرطة جلسوا ليستمعوا.   وأخذت زهراء نفسًا عميقًا.   ثم بدأت تحكي.     —   قبل ثلاث سنوات، وقبل أن تتزوج علي، كانت زهراء تعمل في مؤسسة خيرية تساعد الأطفال المصابين بأمراض خطيرة.   وفي أحد الأيام تعرفت على فتاة صغيرة اسمها مريم.   كانت مريم في التاسعة من عمرها.

  يتيمة الأب.   وأمها مريضة بالفشل الكلوي.   وكانت الطفلة تعاني مرضًا نادرًا يحتاج إلى علاج باهظ الثمن.   تعلقت زهراء بالطفلة كثيرًا.   حتى إنها كانت تزورها خارج أوقات العمل.   لكن بعد أشهر اكتشفت أن المؤسسة ستتوقف عن تمويل علاج مريم.   وكان معنى ذلك شيئًا واحدًا فقط.   أن الطفلة قد تموت.   حاولت زهراء جمع التبرعات.   وباعت جزءًا من ذهبها.   واستدانت من أصدقائها.   لكن المبلغ المطلوب كان أكبر بكثير.

  وفي النهاية لم تجد أمامها إلا حلًا واحدًا.     —   كانت تشارك سرًا في برنامج طبي تجريبي لعلاج بعض الأمراض الجلدية.   كان الباحثون يدفعون مبالغ كبيرة للمتطوعين.   لكن العلاج كان يسبب آثارًا جانبية مؤلمة جدًا.   ومن بينها ظهور التهابات وخطوط حمراء وكدمات على الجلد.   خصوصًا في منطقة الظهر.   قالت زهراء والدموع تنزل من عينيها:   — كنت أذهب مرتين أسبوعيًا للمركز الطبي منذ أكثر من سنة.  

كنت أتحمل الألم بصمت.   وأعود إلى البيت متأخرة.   ثم أبقى طويلًا تحت الماء الساخن حتى أستطيع تحمل الوجع.   شهقت أم علي.   أما علي فبدا كأنه فقد القدرة على الكلام.   سألها:   — ولماذا أخفيتِ الأمر عني؟   أجابت وهي تبكي:   — لأنك كنت ستمنعني.   وكنت أعرف أنك ستقترض المال أو تبيع كل ما تملك من أجل مساعدتي.   وأنا لم أرد أن أحملك هذا العبء.   قال بصوت مكسور:

  — وهل ظننتِ أن رؤية زوجتي تتألم أسهل عليّ من مشاركتها الألم؟     —   لكن المفاجأة الأكبر لم تأتِ بعد.   أخرجت زهراء ملفًا من درج قريب.   ناولته للشرطة ثم لعلي.   فتح علي الملف.   وتغير لون وجهه.   كان يحتوي على عشرات الإيصالات والتحويلات البنكية.   ومئات التقارير الطبية.   وفي آخر صفحة كانت صورة لطفلة تبتسم.   مريم.   قالت زهراء:   — العلاج انتهى منذ أسبوع.  

ومريم شُفيت بالكامل.   وأمها حصلت على عملية زراعة كلية.   كل الأموال التي حصلت عليها من البرنامج ذهبت لهما.   انفجرت أم علي بالبكاء.   واقتربت من زهراء واحتضنتها بقوة.   — يا ابنتي… ظننت أن أحدًا يعذبك.   فإذا بكِ تعذبين نفسك من أجل إنقاذ حياة إنسان.     —   وقف أحد رجال الشرطة وقال مبتسمًا:   — يبدو أننا حضرنا إلى منزل فيه بطلة حقيقية.   ثم أغلق دفتر الملاحظات.  

وأضاف:   — لا توجد جريمة هنا.   لكن يوجد درس كبير في الإنسانية.   غادر رجال الشرطة بعد أن اطمأنوا إلى الحقيقة.   وبقيت الأسرة وحدها.   جلس علي بجوار زوجته.   أمسك يدها وقال:   — من اليوم لن تخفي عني أي ألم أو مشكلة.   نحن زوجان.   وكل ما يخصك يخصني.   ابتسمت زهراء وسط دموعها.   وأومأت برأسها.     —   مرت الشهور.   واختفت آثار الجروح تدريجيًا من ظهرها.

  وعادت صحتها أقوى مما كانت.   أما أم علي فكانت تنظر إليها كل يوم بفخر.   ولم تعد تراها مجرد زوجة لابنها.   بل ابنة حقيقية دخلت قلبها إلى الأبد.   وبعد عام واحد فقط، امتلأ البيت أخيرًا بصوت طفل صغير.   وكانت أم علي تحمله بين ذراعيها وتضحك وهي تقول:   — سبحان الله… اتصلت بالشرطة يومًا وأنا أظن أنني سأكشف جريمة، لكني اكتشفت أنني أعيش مع إنسانة تملك قلبًا أكبر من الدنيا كلها.

  وانتهت القصة، لكن ذكرى تلك الليلة بقيت في قلوبهم دائمًا… الليلة التي كشف فيها الخوف سرًا من أجمل أسرار الرحمة والتضحية.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
0