
بعد ما أختي استقرت في البيت، الأيام بدأت تبقى غريبة بشكل مش مفهوم. مراتي بطلت تتكلم تقريبًا. لا بتشتكي، ولا بتجادل، ولا حتى بتبصلي بنفس النظرة اللي كنت متعود عليها. بقت هادية زيادة عن اللزوم. وأنا كنت فاكر إن أخيرًا الأمور استقرت وإنها اتعودت على الوضع. لكن الحقيقة كانت غير كده تمامًا. في يوم رجعت من الشغل بدري على غير العادة. فتحت الباب ودخلت، لقيت البيت هادي بشكل غريب. ناديت: “يا أم أحمد!” محدش رد.
دخلت الصالة، لقيت أختي قاعدة لوحدها. قلت: “فين مراتى؟” ردت ببرود: “معرفش… يمكن عند جارتها.” استغربت. مراتي عمرها ما كانت تخرج من غير ما تقولي. اتصلت عليها. التليفون مغلق. سألت أختي تاني: “إمتى خرجت؟” قالت وهي بتقلب في الموبايل: “من كام ساعة.” بدأ القلق يدخل قلبي. عدت الساعات ومارجعتش. وفجأة سمعت صوت رسالة على هاتفي. فتحتها. كانت رسالة من مراتي. ومع الرسالة صورة. أول ما شوفت الصورة حسيت إن الأرض بتتهز تحت رجلي. كانت صورة لعقد إيجار شقة جديدة.
باسم مراتي. ومكتوب تحت الصورة: “متدورش عليا دلوقتي.” قفزت من مكاني واتصلت عليها عشرات المرات. لكن مفيش رد. بعدها بدقائق وصلتني رسالة صوتية. فتحتها بسرعة. وكان صوتها هادئ جدًا. قالت: “أنا استحملت سنين. استحملت إهانة أختك. واستحملت إنك تمنع أهلي من دخول بيتي. واستحملت إنك تعتبرني خدامة في البيت اللي أنا بنيته معاك بتعبي وسهري. لكن أكتر حاجة كسرتني إنك كنت شايف كل ده ومقتنع إنه طبيعي.” سكتت ثواني ثم أكملت: “كنت فاكرة إنك هتدافع عني يوم. مرة واحدة بس. لكن كل مرة كنت بتختار أختك عليا.”
انتهت الرسالة. وأنا لأول مرة حسيت بالخوف. مش الغضب. الخوف. الأيام اللي بعدها كانت جحيم. البيت اللي كان مليان حركة بقى فاضي. الأكل مش جاهز. الهدوم مش مترتبة. كل حاجة كانت ناقصة. لكن اللي كان ناقص أكتر هو وجودها. وأختي؟ بدل ما تساعد، بدأت تظهر على حقيقتها. كل يوم طلبات. كل يوم مشاكل. كل يوم خناقة. وبدأت تهاجم أمي كمان. لدرجة إن أمي نفسها اتصلت بيا وقالت: “إنت دمرت بيتك بإيدك.” أول مرة أسمع الجملة دي منها.
وبعد شهرين وصلتني ورقة من المحكمة. دعوى نفقة. ودعوى طلاق للضرر. ساعتها حسيت إن الموضوع خرج من إيدي. روحت أحاول أكلمها. رفضت. بعت ناس تكلمها. رفضت. وفي النهاية وافقت تقابلني. لما دخلت المكان اللي اتفقنا عليه شفتها قاعدة قدامي. لكنها ماكنتش نفس الست. كانت أقوى. أهدى. واثقة من نفسها بشكل عمري ما شوفته. قعدت قدامها وقلت: “تعالي نبدأ من جديد.” ابتسمت ابتسامة صغيرة. وقالت: “من جديد؟” هززت رأسي. قالت: “وأختك؟” سكت. قالت: “هترجع تدخل أوضة نومي؟”
سكت. “هترجع تاخد حاجتي؟” سكت. “هترجع تمنع أهلي من زيارتي؟” سكت. “هترجع تعتبر فلوسك سبب يخليك تذلني؟” كانت كل إجابة عندي عبارة عن صمت. لأني لأول مرة فهمت حجم اللي عملته. قالت بهدوء: “المشكلة عمرها ما كانت أختك.” رفعت رأسي باستغراب. قالت: “المشكلة كانت إنك كنت شايف كل حاجة بتحصل وموافق عليها.” الجملة دي وجعتني أكتر من أي حاجة. بعد شهور طويلة من المحاكم والجلسات، صدر الحكم بالطلاق. وفي اليوم اللي استلمت فيه الورقة الرسمية، رجعت البيت.
لقيت أختي قاعدة في الصالة. بتطلب فلوس جديدة. وبتشتكي من حد زعلها. وبتتكلم كأن حاجة ماحصلتش. بصيت حواليّ. البيت فاضي. بارد. من غير روح. وساعتها فهمت متأخر جدًا إن الإنسان ممكن يخسر أغلى شخص في حياته وهو فاكر إنه بيحافظ على أهله. أهلك لهم حق. وزوجتك لها حق. لكن العدل هو اللي بيحفظ البيوت. أما الظلم… فبيهد البيت حتى لو كانت جدرانه واقفة. وانتهت القصة بعدما خسر زوجته، وخسر استقرار بيته، واكتشف بعد فوات الأوان أن الاحترام لا يُشترى بالمال، وأن القوامة مسؤولية وعدل وليست سيطرة وتسلطًا.
