بعد يومين بس من جوازى

ديـنا شغّلت الفيديو قدام الكل، والقاعة سكتت كأن حد سحب منها الهوا. الحاج عبد الفتاح كان وشه محمّر في الأول، لكن مع كل ثانية في التسجيل كان اللون بيفارق ملامحه. ظهر وهو بيضربها. وظهر أحمد واقف ساكت. وظهرت أم أحمد وهي بتتفرج من غير ما تمنعه. لما الفيديو خلص، محدش عرف يبص في عين التاني. دينا قفلت الشاشة وقالت بهدوء: — بكرة هرفع قضية خلع… وده أول سر بس هينكشف. ساعتها الحاج عبد الفتاح خبط بإيده على الترابيزة وقال:

— إنتي بتهددينا؟ ابتسمت لأول مرة وقالت: — لا… أنا بس بقول الحقيقة. وقامت ومشيت. لكن وهي خارجة، لمحت حاجة غريبة. مي أخت أحمد كانت مرعوبة بشكل مش طبيعي. مش خوف من الفيديو. كان خوف من حاجة تانية. — بعد يومين، دينا راحت للمحامي. وأثناء تجهيز أوراق الخلع، افتكرت موقف قديم جدًا. قبل الفرح بشهرين كانت قاعدة مع أحمد في كافيه. وقتها جاله اتصال من أخته مي. أول ما رد عليها قالت: — بابا عرف ولا لسه؟

ساعتها أحمد اتوتر بسرعة وقفّل المكالمة. ولما سألته قال: — موضوع عائلي قديم. لكن دلوقتي المشهد رجعلها بوضوح. خصوصًا بعد ما شافت خوف مي. بدأ الشك يكبر جواها. — في نفس الأسبوع، حصل شيء غريب. واحدة ست كبيرة طلبت تقابل دينا. اسمها “الحاجة سعاد”. قالت إنها كانت جارة قديمة لعيلة الشاذلي. أول ما قعدوا قالت: — أنا عارفة إنك اتظلمتي… لكن في حاجة لازم تعرفيها. دينا اتوترت. الحاجة سعاد كملت: — مي مش بنت عبد الفتاح.

الصمت نزل بينهم. دينا افتكرت إنها سمعت غلط. — يعني إيه؟ — يعني البنت دي أصلها حكاية كبيرة. — بدأت الحكاية تتكشف قطعة قطعة. من أكتر من عشرين سنة كانت فيه شابة اسمها ليلى. اشتغلت عند عبد الفتاح في مكتبه. وبعد شهور اختفت فجأة. والناس وقتها قالت إنها سافرت. لكن الحقيقة كانت مختلفة. ليلى كانت حامل. وحصلت فضيحة كبيرة اتدفنت بالفلوس والتهديد. وبعد الولادة اختفت الأم. أما الطفلة… فاتربت داخل بيت عبد الفتاح. لكن على إنها بنته الشرعية.

وكانت هي مي. — دينا ما صدقتش الكلام بسهولة. طلبت دليل. الحاجة سعاد طلعت ظرف قديم. فيه صور. ومستندات. وجواب مكتوب بخط ليلى. وفيه جملة واحدة صدمت دينا: “لو حصلي حاجة، بنتي أمانة عند ربنا.” — دينا راحت لمحاميها بكل الأوراق. لكن المفاجأة الحقيقية كانت بعدها بأيام. لما أم أحمد نفسها اتصلت بيها. صوتها كان بيترعش. وقالت: — عاوزة أقابلك. — لأول مرة شافت حماتها منهارة. من غير مكياج. من غير غرور. من غير أوامر.

مجرد ست عجوز تعبانة. قعدت تبكي دقائق كاملة. ثم قالت: — أنا تعبت. دينا فضلت ساكتة. أم أحمد مسحت دموعها وقالت: — كل اللي سمعتيه حقيقي. — اعترفت بكل شيء. اعترفت إن جوزها خانها زمان. واعترفت إنها عرفت إن مي مش بنتها. لكن بدل ما تفضحه خافت على شكلها قدام الناس. فوافقت تربي الطفلة. ومن يومها وهي عايشة بقلب مليان قهر وغضب. الغضب ده اتحول مع السنين لظلم. وظلمها وصل لكل اللي حواليها. حتى لدينا.

— لكن الصدمة الأكبر كانت لسه جاية. لما مي نفسها سمعت الحقيقة. انهارت بالكامل. فضلت تعيط بالساعات. كانت فاكرة طول عمرها إن أم أحمد أمها الحقيقية. وإن عبد الفتاح أبوها. وفجأة اكتشفت إن حياتها كلها مبنية على كذبة. — أما عبد الفتاح… فرفض يعترف. وقال إن كله كذب. لكن المحامي جمع الأدلة. وظهرت أوراق قديمة. وشهادات. ومراسلات. وبدأ السر يخرج للنور. لأول مرة في حياته، الرجل اللي كان بيخوف الكل بقى هو الخايف. — بعد شهور قليلة صدر حكم الخلع.

ودينا خرجت من الجوازة نهائي. من غير ندم. ولا دموع. ولا محاولة رجوع. أما أحمد فحاول يكلمها عشرات المرات. وفي آخر مقابلة بينهم قال: — أنا كنت بحبك. بصتله وقالت: — الحب مش كلمة بتتقال… الحب موقف. ولما أبوك ضربني، موقفك كان الصمت. وده كان كفاية يقتل أي حب. وسابته ومشيت. — بعد سنة كاملة… كانت دينا واقفة على منصة كبيرة في مؤتمر للشركات. حققت ترقية ضخمة. واشترت شقتها الخاصة. وبقت أقوى من أي وقت فات.

وفي نهاية اليوم رجعت البيت. فتحت صندوق البريد. لقيت رسالة صغيرة. من مي. مكتوب فيها: “يمكن كنت جزء من ظلمك، لكنك أول شخص واجه الحقيقة. بسببك عرفت أنا مين. سامحيني لو تقدري.” ابتسمت دينا. قفلت الرسالة. وبصت من البلكونة للسماء. وفهمت أخيرًا إن بعض النهايات المؤلمة مش بتكون خسارة… أحيانًا بتكون بداية حياة جديدة بالكامل.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
2