حماتى

  بعد ما وصلت المستشفى، دخلت العمليات بسرعة. كان عندي كسر في الذراع وشرخ في الحوض وجروح في الرأس احتاجت غرز كتير. أول ما خرجت، لقيت أمي قاعدة جنبي، وعينيها حمرا من كتر العياط والغضب. قالتلي وهي ماسكة إيدي: “متخافيش يا بنتي… المرة دي محدش هيضيع حقك.” بعد أقل من ساعة، وصل أبويا وأخويا لؤي ومعاهم محامي العيلة. الشرطة كانت سبقتهم للمستشفى بعد بلاغ الإسعاف بوجود شبهة اعتد.اء. ولأول مرة، بدأت الحقيقة تطلع للنور.

كاميرات المحل اللي قدام البيت كانت مصورة مدخل العمارة بالكامل. صحيح السلم نفسه مكانش ظاهر، لكن الصوت كان واضح. سمعوا صريخ كريم وهو بيشتم ويهدد، وبعدها صوت ارتطام قوي وصوتي وأنا بصرخ من الوجع. أما المفاجأة الأكبر فكانت في موبايل حماتي نفسها. لما الشرطة فتشت البيت، لقوا في جروب واتساب بينها وبين كريم رسائل قديمة كلها تحريض ضدي. “لازم نطفسها وتعرف مقامها.” “خلي أدهم يضغط عليها عشان تسيب شقتها.” “البنت دي لو فضلت معانا هتاخد ابني مني.”

لكن الرسالة اللي قلبت القضية كلها كانت قبل الحادثة بربع ساعة. كريم كان باعت: “لو فتحت بوقها النهارده هربيها.” وحماته ردت: “اعمل اللي تشوفه.” أما أدهم… فكان أسوأهم كلهم. لأن التحقيق كشف إنه كان عارف كل حاجة. وعارف إن أمه وكريم بيخططوا يخلوني أتنازل عن شقتي اللي ورثتها عن جدي. وعارف إنهم بيضايقوني ويستفزوني كل يوم. ومع ذلك سكت. بل والأبشع من كده، إن باب الشقة اتقفل بالمفتاح بعد وقوعي مباشرة. يعني مفيش أي محاولة لإنقاذي.

لما واجهوه بالأدلة انهار. وقعد يعيط قدام الضابط. “أنا مكنتش أقصد… خفت من أمي.” الضابط بصله باح.تقار وقال: “وهي مراتك كانت بتمو.ت تحت السلم.” بعد أسابيع، اتحولت القضية للمحكمة. الحي كله كان بيتكلم. ناس كتير شهدت إن حماتي طول عمرها بتهيني قدام الناس. وجارتهم في الدور التاني قالت إنها سمعت كريم بيقول بعد الوقعة: “سيبوها شوية تتربى.” الجلسات استمرت شهور. وخلال الفترة دي أدهم كان بيتصل كل يوم. يبعت رسايل. يبعت ورد. يبعت ناس تتوسط.

وأحياناً يقف تحت بيت أهلي بالساعات. لكن خلاص. الراجل اللي قفل الباب في وشي وأنا بنز.ف ما.ت جوا قلبي يومها. وفي آخر جلسة… وقف القاضي ونطق الحكم. حبس كريم عدة سنوات بتهمة الاعتداء المفضي لإصابات جسيمة. وحبس إلهام بعد ثبوت التحريض وتقديم أقوال مضللة. أما أدهم فتمت إدانته لامتناعه عن الإغاثة وإخفاء الحقيقة في التحقيقات. ساعتها المحكمة كلها سكتت. وأدهم بصلي وهو بيبكي. كان مستني مني أبصله. أو أضعف. أو أسامح. لكن أنا كنت بصيت قدامي.

وبس. بعد سنة كاملة، كنت واقفة في افتتاح مشروعي الجديد. مركز علاج طبيعي صغير كنت بحلم بيه من زمان. أمي واقفة جنبي. أبويا بيضحك. وأخويا بيصور كل حاجة. وفجأة لمحت عربية وقفت بعيد. نزل منها أدهم. كان شكله متغير جداً. أضعف. وأكبر. وكأنه شاخ عشر سنين في سنة واحدة. قرب خطوة. وبعدين وقف. وقال: “أنا خسرت كل حاجة.” رديت بهدوء: “لا… إنت خسرتها يوم ما قفلت الباب.” سكت. ولأول مرة ما لقىش كلام يقوله. لف ورجع لعربيته ومشى.

وأنا كملت طريقي. لأن بعض الأبواب لما بتتقفل… بتنهي حياة كاملة. لكن ساعات بتفتح حياة أحسن بكتير. والباب اللي اتقفل في وشي ليلة الحادثة… كان أول باب فتحلي طريق النجاة.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
0