انا عندى 24 سنه

بعد ما قفلت الموبايل وحفظت صورة من الرسائل على تليفوني، قعدت طول الليل أفكر. كنت موجوعة ومك.سورة من الخيا.نة، لكن لأول مرة من ساعة وفاة أبويا حسيت إني لازم أبقى قوية. الصبح، كريم صحي وكأنه معملش حاجة. قال وهو بيلبس: “فكرتي في كلامي؟” بصيت له بهدوء وقلت: “فكرت.” عيونه لمعت بالطمع. “وإيه رأيك؟” ابتسمت ابتسامة صغيرة وقلت: “يمكن عندك حق… إحنا جوز ومرات، ومفيش أسرار بينا.” ملامحه اتغيرت فجأة، وحسيت إنه ابتلع الطعم كله. من اليوم ده بدأت أمثل.

بقيت أتكلم معاه بهدوء، وأتعامل مع أمه وأخته وكأني اقتنعت بكلامهم. لدرجة إن حماتي قالت لي وهي فرحانة: “أهو كده البنت العاقلة.” لكن اللي محدش فيهم كان يعرفه إني في نفس اليوم رحت لمحامي كبير وحكيت له كل حاجة، ووريته الرسائل. المحامي بص للشاشة وقال: “الرسائل دي لوحدها كفاية تثبت سوء النية والطمع. أهم حاجة متوقعيش على أي حاجة.” رجعت البيت وأنا حاسة لأول مرة إن معايا حد في ضهري. بعد أسبوع، قلت لكريم: “أنا موافقة أكتب لك الشقة.”

كاد يطير من الفرحة. جرى على أمه وأخته يبلغهم. وفي أقل من ساعة كانوا عندي في البيت ومعاهم حلويات. حماتي ح.ضنتني لأول مرة من يوم جوازي وقالت: “عرفتِ الصح يا بنتي.” كنت ببص لهم وأفتكر كلام كريم لصاحبه: “السبوبة هتم.” بس الحقيقة إن السبوبة كانت هتقع على دماغه هو. قبل ميعاد الشهر العقاري بيوم، المحامي طلب مني أجيبه على إنه شاهد من طرفي. كريم وافق لأنه كان فاكر إن كل حاجة انتهت. وجاء اليوم. دخلنا المكتب.

أنا وكريم وحماتي وأخته والمحامي. الموظف بدأ يراجع الأوراق. وفجأة المحامي قال: “قبل ما نمضي، ممكن أسمع الأستاذ كريم الرسالة دي؟” كريم اتوتر. وقال: “رسالة إيه؟” المحامي فتح التسجيل. كان تسجيل صوتي للرسائل المقروءة من موبايله، ومعاه صور المحادثة كاملة. وفجأة سمع الجميع صوته المكتوب: “أول ما الشقة والفلوس يبقوا في جيبي هطلقها وأتجوز سمر ونعيش بفلوس أبوها.” الصمت نزل على المكان. أخته سمر شهقت. حماتي وشها اصفر. أما كريم فوقف كأنه اتشل. صرخ: “دي مفبركة!”

لكن المحامي طلع نسخة مطبوعة من المحادثات وتفاصيلها. سمر بصت له بصدمة وقالت: “إنت وعدتني إنك بتحبني!” هنا كانت الصدمة الأكبر. أنا بصيت لها باستغراب. “يعني إنتِ كنتِ عارفة؟” سمر نزلت عينيها في الأرض. واتضح إن بينهم كلام فعلاً من شهور. حماتي بدأت تصرخ في بنتها: “يا قليلة الأدب!” وسمر تصرخ فيها: “إنتِ اللي شجعتيني!” وفي أقل من دقيقة اتحول المكتب لخناقة كبيرة. أما أنا فكنت واقفة أتفرج. لأول مرة. من غير دموع. من غير خوف.

من غير وجع. بعدها بأيام رفعت قضية طلاق للضرر. وكريم حاول يعتذر. وبعت ناس كتير تتوسط. وبكى. وقال إنه كان مضغوط. وقال إنه غلط. لكن بعض الأخطاء مفيش بعدها رجوع. وبعد شهور قليلة صدر الحكم. واتطلقت رسمي. وخرج من حياتي نهائي. لكن المفاجأة الحقيقية حصلت بعدها بسنة. كنت ببيع شقة قديمة ورثتها من جدتي، وروحت أخلص بعض الإجراءات. هناك قابلت رجل محترم اسمه عمر. كان أرمل وعنده بنت صغيرة. اتعرفنا بالصدفة. وبدأنا نتكلم. ولأول مرة بعد سنين حسيت بالأمان.

مش أمان الفلوس. ولا أمان الشقق. أمان الاحترام. بعد سنة اتجوزنا. وفي أول عيد جواز لينا، عمر فاجأني بحاجة عمري ما نسيتها. جاب ملف كبير وحطه قدامي. فتحته. لقيت عقد شقة جديدة باسمي أنا. استغربت وسألته: “ليه باسمي؟” ابتسم وقال: “لأن اللي بيحب حد، بيأمنه… مش بياخد منه الأمان.” في اللحظة دي افتكرت أبويا. وافتكرت اللي حصل كله. وعرفت إن ربنا أحيانًا بيكشف الناس الوحشة مش علشان يوجعنا… لكن علشان ينقذنا قبل ما نضيع عمرنا معاهم.

أما كريم؟ فبعد الطلاق خسر شغله، وصاحبه اللي كان ناوي يشاركه في المشروع ضحك عليه وأخد فلوسه. وسمر اتجوزت شخص تاني وسافرت. وأمه فضلت سنين تحاول تصلح اللي اتكسر. لكن بعض البيوت لما الطمع يدخلها… بيخرج منها كل شيء جميل. أما أنا، فكنت واقفة في شرفة بيتي الجديد، شايفة الشمس وهي بتطلع، وبقول في سري: “الله يرحمك يا أبويا… سيبتلي ورث حماني من ناس كانت فاكرة إني سهلة، وسيبتلي درس عمري ما هنساه: اللي يطمع في حقك مرة… هيطمع في عمرك كله.”

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
0