
ناهد بصتلي بابتسامتها الهادية وقالت: “مالك يا محمود؟ وشك متغير ليه؟” قعدت قدامها على الكنبة، وسكت شوية. كنت حاسس إن الكلام هيكسرني. لكن مفيش مهرب. حكيت لها كل حاجة… حكيت عن كلام أمي، وعن حلفانها، وعن أحمد، وعن الشقة اللي عايزين ياخدوها مننا وكأن خمس سنين الغربة والتعب كانوا حلم واتمحى. كل ما كنت أتكلم، كانت ناهد ساكتة. لحد ما خلصت. رفعت عيني أبص لها… لقيت دموعها نازلة في هدوء. مش صويت ولا لطمت ولا صرخت.
بس قالت جملة كسرت قلبي: “يعني كل مرة كنت أصحى الفجر أحلب الجاموسة وأنزل السوق، كنت بتعب عشان جوازة أحمد؟” ساعتها حسيت إني اتخنقت. مسكت إيدها وقلت: “والله العظيم لا.” سكت ثانية، وبعدها قلت بحسم: “يا ناهد… بكرة الصبح هننقل شقتنا.” رفعت رأسها بسرعة. “يعني إيه؟” قلت: “يعني الشقة بتاعتنا، وإحنا أولى بيها من أي حد.” لأول مرة من ساعة ما حكيت، شوفت ابتسامة صغيرة ظهرت على وشها. لكن الليلة دي كانت بداية الحرب. —
تاني يوم الصبح جبنا عربية نقل. وأول ما العمال بدأوا يشيلوا العفش، البيت كله اتقلب. أمي طلعت تجري وهي بتصرخ: “بتعمل إيه يا محمود؟!” قلت بهدوء: “بنقل شقتي يا أمي.” أحمد كان واقف في آخر الطرقة. وشه محمر. وقال: “يعني هتفضحني قدام الناس؟” بصيت له. “وأنا لما اتغربت خمس سنين، كنت فين؟” قال: “بس الفيزا كانت بتاعتي.” قلت: “وسددتلك تمنها كامل.” سكت. أمي دخلت بينا وهي بتعيط: “أنا حلفت يا محمود.” قلت: “وأنا محلفتش حد.”
الناس بدأت تتجمع. الجيران خرجوا. وكل واحد عرف الحكاية. وساعتها حصل شيء محدش كان متوقعه. أبو العروسة بنفسه جه. كان معدي في الشارع وسمع الخناقة. دخل وقال: “في إيه؟” أمي قالت بسرعة: “ابني الكبير عايز يبوظ جوازة أخوه.” الراجل بص لي. وبص لناهد. وبص للعفش. وسألني: “الشقة دي بتاعت مين؟” قلت: “باسمي أنا.” “ومين اللي دفع تمنها؟” قلت: “أنا ومراتي.” بص لأحمد وقال: “وأنت دفعت كام؟” أحمد وطى راسه. مردش. ساعتها الراجل قال كلمة سكتت الشارع كله:
“أنا ممكن أكون فقير… لكن مستحيل أقبل أجوز بنتي في حاجة مش حق جوزها.” أمي اتجمدت. وأحمد وشه اصفر. وأبو العروسة كمل: “لو ابني بدأ حياته بسرقة تعب أخوه يبقى عمره ما هيعرف يبني بيت محترم.” وأخذ مراته وبنته ومشي. — بعد أسبوع. الجوازة اتلغت. وأحمد فضل قاعد في البيت. ومن يومها وهو شايفني سبب اللي حصل. أما أمي… فقاطعتني. ولا بقت تكلمني. ولا تدخل بيتي. ووجعني ده أكتر من أي حاجة. لأن مهما حصل دي أمي.
— مرت شهور. ونقلنا شقتنا. أول ليلة فيها أنا وناهد والعيال… افتكرت كل حاجة. افتكرت الغربة. وحر الصيف في السعودية. وأيام ما كنت أنام ساعتين بس. وافتكرت ناهد وهي راجعة من السوق شايلة أوعية اللبن على رأسها. وافتكرت دموعها وهي فاكرة إن تعب عمرها هيروح. يومها قلت لها: “سامحيني.” استغربت. “على إيه؟” قلت: “على إني فكرت للحظة أتنازل.” ابتسمت وقالت: “المهم إنك ما اتنازلتش.” — عدت سنة كاملة. وفي يوم وأنا راجع من الشغل. لقيت عربية فخمة واقفة تحت البيت.
استغربت. طلعت فوق. فتحت الباب. لقيت أحمد قاعد. وأمي جنبه. أول ما شافوني وقف. وكان لأول مرة من سنين عينه مكسورة. قال: “سامحني يا محمود.” سكت. فكمل: “أنا كنت فاكر إن الدنيا سهلة… وإن الناس هتساعدني زي ما ساعدتك.” وقالي إنه اشتغل سنة كاملة. في مصنع بعيد. واتبهدل وتعب. وعرف لأول مرة معنى القرش. وبعد تعب السنة دي قدر يحجز شقة صغيرة بالتقسيط. وأبو العروسة رجع وافق عليه من جديد. لكن بشرط إنه يعتمد على نفسه.
مش على حد. أحمد قرب مني وقال: “دلوقتي فهمت أنت وناهد عملتوا إيه عشان تبنوا بيت.” وبكى. وأول مرة في حياتي ح.ضنته. — أما أمي… فكانت قاعدة ساكتة طول الوقت. وفجأة قامت. ومسكت إيد ناهد. وقالت بصوت مرتعش: “سامحيني يا بنتي.” ناهد دمعت. وأمي كملت: “أنا ظلمتك… ونسيت إن الشقة دي معمولة من تعبك زي ما هي معمولة من تعب ابني.” وساعتها ناهد ح.ضنتها. وبعد سنين من الزعل… رجعت العيلة تتجمع تاني. — وفي ليلة هادية بعد ما الكل مشي…
وقفت أنا وناهد في البلكونة. بنبص على الشارع. وعلى الشقة اللي كانت سبب وجع كبير. قالت لي: “شايف يا محمود؟” قلت: “شايف إيه؟” قالت: “ربنا عمره ما بيضيع تعب حد.” بصيت حواليّا… على بيتي… وعيالي… ومراتي اللي وقفت جنبي في أصعب أيام عمري. وعرفت ساعتها إن أغلى حاجة في الدنيا مش الشقة… ولا الفلوس… ولا الغربة. أغلى حاجة إن الإنسان يتمسك بحقه من غير ظلم، ويحافظ على اللي شاركه التعب، لأن البيت اللي يتبني على العدل يعيش… أما البيت اللي يتبني على أكل حقوق الناس، عمره ما يعرف الراحة.النهاية.
