انا زوجى مسافر أستراليا

بعد ما صباح خرجت من عند أختها مكسورة الخاطر، رجعت بيتها وهي بتحاول تداري دموعها عن بنتها نورا. أول ما دخلت، نورا جريت عليها: “ها يا ماما؟ كلمتي خالتي؟” ابتسمت صباح ابتسامة باهتة وقالت: “آه يا بنتي… وربنا كريم.” فهمت نورا من عيون أمها إن الرد مش كويس، لكنها سكتت وماحبتش تزود وجعها. في نفس الليلة، كان تليفون سعاد بيرن. المكالمة كانت من جوزها مدحت في أستراليا. ردت عليه وهي مبتسمة: “حبيبي عامل إيه؟” لكن صوته كان متوتر: “اسمعيني كويس يا سعاد… الشركة اللي شغال فيها أعلنت إفلاسها النهارده.”

سعاد اتجمدت مكانها. “يعني إيه إفلاس؟” “يعني الشغل وقف… ومش عارف هقدر أبعت الفلوس الشهر الجاي ولا لأ.” حست سعاد لأول مرة بالخوف. الفلوس اللي كانت متعودة عليها كل شهر بقت مهددة. لكنها قالت لنفسها: “عادي… عندي دهب كتير.” مرت الشهور. مدحت فضل يدور على شغل جديد، لكن المرتبات كانت أقل بكتير. وبدأت سعاد تبيع جزء من الدهب علشان تحافظ على نفس مستوى المعيشة. كل شهر غويشة. وبعدين سلسلة. وبعدين خاتم. أما صباح، فكانت بتحارب.

اشتغلت الصبح في تنظيف البيوت. وبالليل كانت بتعمل أكل منزلي وتبيعه للجيران. ونورا كانت بتذاكر ليل نهار. وفي يوم، المدرسة أعلنت عن مسابقة للطلاب المتفوقين. نورا دخلتها وكسبت منحة كاملة لمراجعات الثانوية العامة. لأول مرة حسّت صباح إن ربنا بيجبر خاطرها. وبعد شهور طويلة من التعب، ظهرت النتيجة. الحي كله كان واقف قدام بيت صباح. نورا جابت 97%. الناس زغردت. وصباح وقعت على الأرض من الفرحة وهي بتبكي. وبعد أسابيع، تم قبول نورا في كلية الطب بمنحة للمتفوقين.

الخبر انتشر في المنطقة كلها. حتى وصل لسعاد. يومها كانت قاعدة في شقتها الكبيرة، لكنها كانت مختلفة. نص الدهب اللي كانت بتفتخر بيه اتباع. وجوزها لسه بيبدأ من جديد. ولأول مرة حست بوخزة ندم. لكن الحياة كملت. بعد ست سنين. في أحد المستشفيات الكبيرة. كانت سعاد داخلة قسم الطوارئ وهي مرعوبة. ابنها الصغير عمل حادثة خطيرة. والدكاترة بيجروا حواليه. سعاد كانت منهارة. وفجأة خرجت دكتورة شابة من غرفة العمليات. بهدوء وثقة قالت: “اطمني… الحالة مستقرة.”

رفعت سعاد رأسها وبصت في وش الدكتورة. وساعتها شهقت. “نورا؟!” ابتسمت الدكتورة وقالت: “أيوه يا خالتي.” انفجرت سعاد في البكاء. “سامحيني يا بنتي… سامحيني على كل كلمة قولتها.” نورا مسكت إيديها وقالت: “اللي بينا أكبر من أي فلوس يا خالتي.” في اللحظة دي وصلت صباح. كانت لابسة ملابس بسيطة زي ما هي. لكن في عينيها راحة عمرها ما عرفتها قبل كده. حضنت أختها. وسعاد فضلت تعيط وتقول: “أنا غلطت… كنت فاكرة إن الدهب هو الأمان.”

ابتسمت صباح وقالت: “الأمان الحقيقي يا سعاد مش في الدهب… الأمان في الناس اللي بنسندهم وقت الشدة.” بعدها بشهور، رجع مدحت يشتغل من جديد، ورزقه اتحسن. لكن سعاد اتغيرت. بقت أول واحدة تساعد المحتاج. وأول واحدة تدعم تعليم أي طفل غير قادر. أما نورا، فبقت من أشهر دكاترة المستشفى. وكانت كل ما حد يسألها عن سر نجاحها تقول: “وراء كل طبيب ناجح أم رفضت تستسلم للفقر… ورب آجرها على صبرها.”

وهكذا اكتشفت سعاد بعد سنوات طويلة أن الغنى الحقيقي لم يكن في الذهب الذي ملأ يديها، بل في القلب الذي يفتح بابه وقت الحاجة، لأن المال قد يذهب في يوم، أما المعروف فيبقى أثره ما بقي العمر.ي العمر.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
0