
بعد ما قالت له: “يعني أنا كنت استثمار مؤقت؟” ساد صمت غريب في اللوبي كله. الموظفين وقفوا يتابعوا الموقف، ويارا سحبت إيدها من دراع كريم لأول مرة لما شافت نظرات الناس حواليها. كريم حاول يتكلم: “اسمعيني يا سارة… الموضوع مش زي ما إنتِ فاهمة.” لكن سارة رفعت إيدها توقفه. “ثمان سنين يا كريم. ثمان سنين كنت بصحى الفجر وأشتغل شغلانتين عشان أساعدك. ثمان سنين كنت ببيع دهبي حتة حتة عشان أسندك. دلوقتي عرفت إنك ماكنتش محتاج أي حاجة من ده.”
بدأت دموع يارا تنزل وهي تحاول تبرر: “إنتِ لازم تعرفي الحقيقة…” فالتفتت لها سارة وقالت: “الحقيقة الوحيدة إني كنت الزوجة، وإنتِ كنتِ السر.” في اللحظة دي خرج رجل كبير من المصعد. كان في أواخر الستينات، وملامحه تشبه كريم بشكل واضح. أول ما شاف سارة قال: “أخيرًا عرفتي.” الكل بص له باستغراب. طلع الراجل ده والد كريم ومؤسس المجموعة الحقيقي. سارة بصت له مذهولة. قال بهدوء: “أنا حذرت ابني مية مرة. قلت له الكذب عمره قصير.”
ثم التفت إلى ابنه: “كنت فاكر إن الحقيقة مش هتظهر؟” وجه كريم شحب تمامًا. هنا كانت المفاجأة الأكبر. الأب أعلن أمام الجميع أن الشركة لم تُبنَ بأموال كريم وحده، بل كانت هناك حسابات وتحويلات باسم سارة ساهمت في إنقاذ أول مشروع للمجموعة قبل سنوات. وأخرج ملفًا من مكتبه. داخله عقود وشهادات تثبت أن مبلغ الـ200 ألف جنيه الذي أعطته سارة كان رأس المال الذي أنقذ الشركة من الإفلاس وقتها. قال الأب: “لولا المبلغ ده، ماكانش في شركة أصلًا.”
الموظفون بدأوا يتهامسون. أما كريم فكان واقفًا عاجزًا عن الكلام. لكن سارة لم تصرخ، ولم تنتقم، ولم تعمل أي مشهد. أخذت الملف بهدوء. وقالت: “أنا مش جاية أخد شركة. أنا جاية آخد حقي.” خلال الأسابيع التالية رفعت دعوى طلاق، وطالبت بحقوقها كاملة. أما يارا فاكتشفت أن كريم أخفى عنها أشياء كثيرة أيضًا، وأن الوعود التي عاشتها عليها سنوات كانت مجرد أوهام. وبعد شهور قليلة، انفصلت عنه هي الأخرى. خسر كريم زوجته، وخسر ثقة والده، وخسر احترام موظفيه.
أما سارة، فاستثمرت التعويض الذي حصلت عليه في مشروع صغير كانت تحلم به منذ سنوات. كبر المشروع سنة بعد سنة. وبعد ثلاث سنوات، كانت واقفة على منصة مؤتمر اقتصادي كبير تتحدث عن النجاح بعد الخذلان. وأثناء التصفيق الحاد من الحضور، لمحت في الصفوف الخلفية رجلًا ينظر إليها بحسرة. كان كريم. لكن هذه المرة لم يكن يملك شيئًا يقوله. ابتسمت سارة فقط، وأكملت كلمتها: “أصعب شيء ليس أن يخدعك الناس… أصعب شيء أن تكتشف قيمتك متأخرًا. لكن الأجمل أن تكتشفها قبل فوات الأوان.”
وانتهت قصتها هناك… ليس بانتصارها على كريم، بل بانتصارها على ضعفها القديم.
