فى اليوم الذى تزوج في ابنى

كنت في السبعين من عمري، ولأول مرة لم أكن أعرف هل أريد إنقاذ ابني، أم أتركه يغرق قليلًا حتى يتعلم السباحة. قلت غدًا نعرف. أشرق صباح السبت صافيًا. كانت السماء فوق الأراضي زرقاء نقية، تجعل أوراق النخيل والزروع تلمع كأنها شفرات. في المطبخ، كانت سارة تحضر مرقًا حارًا للعمال، لأن أيام الحرب في المزرعة تحتاج أيضًا إلى طعام ساخن، ليمون، وخبز تنور طازج. في الساعة الحادية عشرة وصلت السيارات. ثلاث سيارات سوداء كبيرة.

سيارة فارهة بلوحات من بغداد. محاميان. كاتب عدل. ورجال مجموعة الأفق للاستثمار نزلوا مبتسمين، يرتدون أحذية جديدة وقبعات لم تعرف العرق يومًا. خرجت زهراء لاستقبالهم بفستان بيج، وعقد لؤلؤ، وثقة لا تشبه ثقة عروس، بل تشبه ثقة مديرة مزيفة. جاء سيف خلفها. شاحبًا. بحثوا عني في البيت الرئيسي. لم أكن هناك. جعلتهم يمشون حتى ساحة التدريب القديمة، تلك التي رفضت أمينة هدمها لأن سيف ركب أول حصان في حياته هناك. على المدرجات كان أبو قاسم، وسارة، والعمال، والطباخات، وأبناء العاملين، وعدد من المجهزين المحليين الذين عملوا معي لعقود.

توقفت زهراء عندما رأتني. كنت في منتصف الساحة، أرتدي قبعتي وقميصًا نظيفًا وأمسك عصاي. وكان حيدر إلى جانبي. همست زهراء شنو هذا المسرح؟ قلت مسرح ريفي محترم. هنا، الأمور المهمة تُقال وجهًا لوجه. ابتسم أحد المستثمرين بتوتر. قال أستاذ عبد الجبار، ربما الأفضل أن نحل الموضوع بشكل خاص. قلت هذا ما تتمنونه. أخرج حيدر الأوراق. حاولت زهراء المقاطعة، لكن كاتب العدل الذي أحضرته اقترب لينظر. لم يحتج سوى ثلاثين ثانية حتى تغيّر وجهه.

تمتم الملكية محصنة قانونيًا. قالت زهراء شنو؟ تحدث حيدر بصوت عالٍ حتى يسمعه الجميع مزرعة شمس الرافدين تعود قانونيًا للسيد عبد الجبار السامرائي. والمرحومة أمينة أنشأت أمانة غير قابلة للإلغاء. لا يمكن بيع، أو نقل، أو رهن، أو استغلال حقوق المياه دون توقيع مباشر من السيد عبد الجبار، ومصادقة شاهدين محددين من قبلها. شدّت زهراء قبضتيها. قالت هذا تلاعب. هو مو بخير. هو ما يفهم. رفعت يدي. قام أبو قاسم بتشغيل شاشة كانوا يستخدمونها في مزادات المواشي.

ظهر وجه أمينة. نحيلًا. شاحبًا. جميلًا. مات الهمس فورًا. وضع سيف يده على فمه. خرج صوت زوجتي واضحًا، رغم التعب إذا كنتم تشاهدون هذا التسجيل، فهذا يعني أن شخصًا ما حاول إخراج عبد الجبار من بيته. لا تخدعوا أنفسكم. زوجي ليس عنيدًا لأنه كبر في السن. هو عنيد لأنه يعرف كيف يحب ما لا يعرف الآخرون إلا كيف يبيعونه. شعرت كأن صدري ينفتح. واصلت أمينة سيف، إذا كنت موجودًا، اسمعني جيدًا. المزرعة لا تُورث بالدم فقط. تُستحق بالوفاء. ولن يكون لك حق في هذه الأرض إلا عندما تتعلم أن تعتني بأبيك، والعمال، والماء، كما تعتني بطفل صغير.

بدأ سيف يبكي. أما زهراء فلم تبكِ. ظلت تحدق في الشاشة وكأنها تريد كسرها بعينيها. تابعت أمينة ولكل من يظن أنه يستطيع استخدام مو.تي ليستولي على ما بنيناه، أترك وصيتي الأخيرة سأقبل أن تُباع كل حجر في هذه المزرعة لدفع تكاليف الدفاع القانوني، قبل أن تُسلَّم شمس الرافدين لأيدٍ جشعة. انتهى الفيديو. لم يصفق أحد. لم تكن هناك حاجة. كان الصمت أثقل من أي تصفيق. تقدمت زهراء نحو سيف. قالت

احچي شي. لم يتحرك سيف. قالت بنبرة آمرة سيف. قل لهم إن أباك مرتبك. أغمض ابني عينيه. وعندما فتحهما، نظر إليّ. قال أبي ليس مرتبكًا. تجمدت زهراء. عفوًا؟ ابتلع سيف ريقه بصعوبة. وقال أنا المرتبك. كانت تلك الجملة أغلى عليه من أي مبلغ مال. حمل المستثمر الرئيسي ملف العقود. وقال سيدتي زهراء، أنتِ أكدتِ لنا أن لديكم السيطرة العائلية وتفويض الوريث المشغّل. تدخل حيدر ولدينا أيضًا نسخ من رسائل إلكترونية تتحدث

عن الضغط لإجراء تقييم طبي ونقل الحقوق دون علم المالك. أنصحكم بمغادرة المزرعة قبل أن يتحول الأمر إلى شكوى جزائية. أغلق كاتب العدل حقيبته. وقال أنا لن أوقّع على أي شيء هنا. فقدت زهراء قناعها. صرخت أيها العجوز السخيف! هل تظن أنهم يحبونك؟ كلهم هنا من أجل مالك. حتى ابنك. توترت الساحة كلها. مشيت نحوها ببطء. وقلت ربما. لكنك الوحيدة التي أرسلتني إلى الإسطبل وهي تظن أن الإسطبل عقوبة. كانت زهراء تتنفس بسرعة.

قالت سيف، يلا نمشي. لم يتبعها ابني. عندها فهمت. هي لم تخسر المزرعة فقط. لقد خسرت السيطرة. نزعت خاتمها ورمته على أرض الساحة. ثم غادرت بين السيارات السوداء، دون أن تلتفت، وفستانها البيج يثير غبار تلك الأرض التي احتقرتها كثيرًا. لم يوقفها أحد. أحيانًا تكون أسوأ هزيمة أن ترحل دون أن يتوسل إليك أحد بالبقاء. عندما غادر المستثمرون، بقي سيف في منتصف الساحة. وحيدًا. كطفل ينتظر عقابه. التقطت الخاتم من الأرض ووضعته في يده.

قلت وهذا أيضًا لك. قراراتك. انهار. ركع أمامي هناك، فوق التراب، أمام الجميع. قال سامحني يبه. لم أعانقه فورًا. كان في داخلي سنوات طويلة من إنقاذه من كل شيء من الديون، ومن الفضائح، ومن النساء، ومن المشاريع الفاشلة. حتى الأب يتعب من أن يكون جسرًا لابن يصر على حرق الضفة الأخرى. قلت له لا أعرف إن كنت أستطيع اليوم. أومأ وهو يبكي. قال أفهم. قلت لكنك تستطيع أن تبدأ غدًا الساعة الخامسة مع أبو قاسم، بتفقد سقايات الماء.

نظر إليّ بدهشة. شنو؟ قلت كنت تريد مزرعة. ابدأ بحمل الدلاء. ضحك أبو قاسم. وضحكت سارة أيضًا. وبكى سيف وضحك في الوقت نفسه، مثلما كان طفلًا حين يسقط عن الحصان ويريد أن يركب من جديد. ذلك العصر عدت إلى غرفة نومي. الجناح الرئيسي. غرفتي. كان السرير مغطى بشراشف جديدة اختارتها زهراء. نزعتها واحدة تلو الأخرى، وطلبت من سارة أن تحضر أغطية أمينة المطرزة. فتحت النوافذ. دخل الهواء محمّلًا برائحة الورد.

على الطاولة الصغيرة بقيت صورة زوجتي، تبتسم تحت شمس الحديقة الجنوبية، ويداها ملوثتان بالتراب. قلت لها شفتي يا أم سيف… كنتِ على حق. لم أسمع صوتها، لكنني شعرت بشيء يشبه يدها على كتفي. في الفجر التالي، وصل سيف إلى الحظيرة. بلا سترة رسمية. بلا ساعة فاخرة. مرتديًا حذاءً قديمًا وجده في المخزن. وضع أبو قاسم دلوًا في كل يد من يديه. قال له خل نشوف يا وريث. الماء ما ينحكى عنه. الماء ينشال.

لم يعترض سيف. راقبته من بعيد. لم أشعر بالفخر بعد. شعرت بأمل صغير وحذر، مثل نبتة خضراء تظهر بعد جفاف طويل. كانت المزرعة لا تزال واقفة. والأرض ما زالت تمد عروقها نحو السماء. وصهل برق داخل الإسطبل. وصاحت الديوك. وبدأ المطبخ تفوح منه رائحة القهوة الطازجة. لم تُنقَذ شمس الرافدين بسندات الملكية. أمينة هي التي أنقذتها. بصمتها. وبآخر فعل حب منها. وبي أنا، رجل عجوز فهم أخيرًا أن الصمت أحيانًا ليس جبنًا.

أحيانًا يكون انتظارًا للحقيقة حتى تسرج حصانها. وعندما تنطلق، لا اسم عائلة فاخر، ولا عقد بملايين الدنانير، ولا قلب جشع يستطيع إيقافها.

انت في الصفحة 2 من 2 صفحاتالتالي

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
0